علي الهجويري
89
كشف المحجوب
يواجه خطرين كبيرين : أولهما خوفه من أن تحجبه محبة الخلق له عن اللّه ، وثانيهما خوفه من أن يقوم بعمل يلومه الناس عليه ، ويخطئونه بسببه ؛ فليس عليه أن يسترعى رضاهم ، أو أن يعصى عند ملامتهم ؛ ولهذا فعلى الملامتى أن يهتم أولا - وبالذات - بألا يغضب مما يقوله الناس عنه في الدنيا ، وعليه - من أجل خلاصة - أن يقوم بعمل ليس من الكبائر ، ولا من الصغائر ، حتى ينفض الناس عنه . ولهذا فان خوفه - في أمور السلوك - أشبه بخوف القدر بين وأمله - في تعامله مع لائميه - شبيه برجاء المرجئة . وليس هناك في الحب الحقيقي ما هو الذ من اللوم ، لأن لوم المحبوب لا يؤثر على قلب المحب ، لأنه لا يهتم بما يقوله الغرباء ، لأن قلبه متعلق بمحبوبة « الملامة روضة العاشقين ، ونزهة المحبين ، وراحة المشتاقين ، وسرور المريدين » . إن أهل هذه الجماعة من الصوفية يتميزون عن الخلق أجمعين ، بأنهم يختارون أن تلام أجسامهم لتسلم قلوبهم ؛ وهذه مرتبة عالية لا يصل إليها الزهاد والعباد وأعيان الخلق في العصور الغابرة ؛ ولكنها خاصة بأفراد هذه الأمة ، الذين يسبحون في طريق الابتعاد الكامل عن شؤون هذه الدنيا . وإني أرى أن البحث عن الملامة تظاهر ، والتظاهر نفاق محض . إن المتظاهر يتعمد سلوكا ينال به الشهرة ، أما الملامتى فإنه يسلك سلوكا يجعل الناس يتركونه ، وكلاهما يركز فكرة في الناس ، ولا يرقى إلى ما هو أبعد من ذلك ، أما الدرويش فهو لا يفكر في الناس أبدا ، وعندما يبتعد قلبه منهم لا يهمه لومهم أو سرورهم ، إنه ينطلق حرا بلا قيود . لقد جرى بيني وبين أحد ملامتية ما وراء النهر حديث ، وكنت قد صحبته مدة طويلة ، رفعت عنا الكلفة ، قلت له : « يا أخي ما ذا تقصد بهذه الأعمال الغريبة ؟ » فقال : ألا أجعل للناس وجودا في نظري ، فقلت له : إن الناس